عبد الرحمن بن أحمد الحنبلي البغدادي الدمشقي

773

مجموع رسائل الحافظ ابن رجب الحنبلي

أيضًا : هل دلالتها عَلَى النفي بطريق النص أو الظاهر ؟ فقالت طائفة : " إِنَّمَا " تدل عَلَى الحصر ظاهرًا ، ويحتمل التأكيد ، وهذا الَّذِي حكاه الآمدي عن القاضي أبي بكر ، والغزالي والهراسي ، وغيرهم من الفقهاء ، وهو يشبه قول من يقول : إن دلالتها بطريق المفهوم ، فإن أكثر دلالات المفهوم بطريق الظاهر لا النص ، وظاهر كلام كثير من أصحابنا وغيرهم أن دلالتها عَلَى النفي والإثبات كلاهما بطريق النص لأنهم جعلوا " إِنَّمَا " كالمستثنى والمستثنى منه سواء ، وعندهم أن الاستثناء من الإثبات نفي ، ومن النفي إثبات لها لا محتملاً . وأما من قال : إن الاستثناء ليس لإثبات النقيض بل لدفع الحكم ، إما مطلقًا ، أو في الاستثناء من الإثبات وحده ، كما يذكر عن الحنفية ، وجعلوه من باب المفهوم الَّذِي ينفونه ، فهو يقول ذلك في " إِنَّمَا " بطريق الأولى ، فظهر بهذا أن المخالف في إفادتها الحصر ، هو من القائلين بأن دلالتها عَلَى النفي بالمفهوم وهم قسمان : أحداهما : من لا يرى كون المفهوم حجة بالكلية كالحنفية ، ومن وافقهم من المتكلمين . والثاني : من يراه حجة في الجملة ، ولكن ينفيه هاهنا ؛ لقيام الدليل عنده عَلَى أنَّه لا مفهوم لها ، واختاره بعض المتأخرين من أصحابنا وغيرهم ، وبيان ذلك : أن " إِنَّمَا " مركبة من " إنَّ " المؤكدة ، و " ما " الذائدة الكافة ، فيستفاد التوكيد من إن والذائد لا معنى له ، نعم أكثر ما يقال إنه يفيد تقوية التوكيد كما في الباء الذائدة ونحوها ، فأما أن يحدث معنى آخر فلا ، وقد تقدم بيان بطلان قول من ادعى أن " ما " نافية ، وأن النفي فيما عدا المذكور مستفاد منها . وأيضًا : فورودها لغير الحصر كثير جدًّا كقوله تعالى : { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ